صرخة من الشام "الملك "النوراني"
بينما كانت ملاك تحاول استجماع شتات نفسها في الأيام التالية، كان في دمشق القديمة رجل عجوز يجلس في قبو مظلم، يحيط به جماجم وخرائط فلكية. إنه "ساحر الشام". كان الساحر يبتسم بخبث، فقد علم أن قرينه المتمرد دجن موجود في الرباط، وعلم أن "نقطة ضعفه" هي فتاة بشرية. بدأ الساحر بتجهيز "جيش من المأجورين" من السحرة والجن السفلي، ليس لاستعادة دجن، بل لتحطيم ملاك أمام عينيه كعقاب على خيانته.
في الرباط، كانت الجامعة تعج بالنشاط، لكن ملاك كانت تشعر بالوحدة والتهديد. قررت الذهاب إلى "حدائق صومعة حسان" لتجد بعض الهدوء. هناك، وسط الأعمدة التاريخية، وقع ما لم يكن في الحسبان.
توقف الزمن فجأة. توقفت حركة المارة، وساد هدوء قدسي. من بين الضباب الكثيف الذي ظهر فجأة، خرج رجل يرتدي ثياباً بيضاء متوهجة كأنها قِطع من السحاب. كان وجهه يشع بجمال لا يوصف، وعيناه تحملان حكمة آلاف السنين. لم يكن إنسياً، كان "ملك الجن النوراني"، سيد قبائل الغمام.
"ملاك.." نطق اسمها بصوت يشبه عزف الناي، "لقد أرهقكِ البحث في الظلام، بينما الحقيقة تسكن في النور".
لأول مرة، شعرت ملاك بانجذاب لم تشعر به من قبل. شعرت أن هذا الكيان يفهم روحها، ويحميها بسلام لم تجده في كتبها. لكن خلف عمود رخامي، كان دجن يراقب المشهد بقلب يتمزق. لم يكن خائفاً من قوة الملك، بل كان خائفاً من "حبها" له. غيرة دجن كانت كبركان خامد بدأ يغلي؛ فهو الذي حماها في الظلام، وهو الذي قتل لأجلها، والآن يأتي هذا "الملك" ليسرق ثمار تعبه.
اشتعلت النيران في عيني دجن، وأقسم في سره: قسماً بمن صاغني من لهبِ الدخان، وسكب في عروقي غضبَ الجان..
قسماً بالعهود التي حطمتُها، وبالدماء التي أهدرتُها خلف أسوار الشام..
أنّ مَلاكِي خَطٌّ أحمر دونهُ فناء العالمين!
مَن مَسّ طرفَ ثوبها بمكر، أو أغواها بنورٍ مستعار، سأجعل من روحهِ قوتاً للنار، ومن كبريائهِ رماداً تذروه الرياح. > أنا دجن.. الذي لا يغفر، ولا ينحني، ولا يترك صيده.. > ولو اجتمع ملوك الجن السبعة، وسحرة الأرض قاطبة، سأبقى أنا الظل الذي لا يُقهر، والدرع الذي لا يُكسر..
هي لي.. ولو كان في ذلك موتها وموتي!"
كان القسم كصاعقة ضربت المكان. ارتد ملك الجن خطوة إلى الوراء، وقد أدرك أن خصمه ليس مجرد قرين متمرد، بل هو كيان مستعد لإحراق الوجود لأجل تملك هذه الفتاة. أما ملاك، فقد شعرت بقشعريرة مجهولة، وبرودة مفاجئة اجتاحت جسدها، وكأن هاتفاً من الغيب يخبرها بأنها أصبحت محور حرب لا تُبقي ولا تذر.
في هذه الأثناء، كان "لجد" يراقب من بعيد، يبتسم بخبث وهو يرى صدام العمالقة يقترب. كان يعلم أن غيرة دجن هي الثغرة التي سينفذ منها "ساحر الشام". فدجن، في محاولته لحماية ملاك من حب الملك، قد يصبح هو السجان الذي تخشاه، والوحش الذي طالما بحثت عنه في كتبها.
استدار دجن نحو الأفق، حيث بدأت سحب سوداء قادمة من جهة الشرق تتجمع.. سحب تحمل رائحة بخور الشام القديم. لقد وصل الرسل، وبدأت الحرب الحقيقية، حربٌ لن تكون فيها السيوف من حديد، بل من أرواح ودموع وقسمٍ لا يرتد.